النرويج تتطلع إلى مساهمة الشركات الناشئة بالنمو الاقتصادي بعيداً عن النفط
وصف
بدأت تداعيات تراجع أسعار النفط تؤثر على اقتصاد البلدان المنتجة له، ومن بينها النرويج.
ووجهت الحكومة النرويجية جهودها في إطار استجابتها للمطالبات، بإيجاد الحلول المناسبة للمشاكل الناتجة عن تراجع أسعار النفط، وذلك بسلوك طرق جديدة تتركز على دعم الشركات الناشئة. ويقود ولي العهد النرويج -وهو رجل أعمال سابق طموح صاحب نفوذ- بالإضافة إلى مجموعة من رجال الأعمال من مختلف القطاعات، دعم الجهود المبذولة في سبيل تعزيز النهج الجديد.
ووفقاً لتقرير نشر من قبل (رستاد) للطاقة:
شهدت النرويج انخفاضاً في قيمة حقول النفط والغاز المملوكة من قبل الدولة بأكثر من 50 مليار دولار، أي ما يقارب الثلث، في العامين الماضيين. وأختفى ما يزيد عن 36 ألف فرصة عمل في قطاع النفط، والذي يعد رقم كبير بالنسبة إلى بلد يبلغ تعداده السكاني حوالي 5.1 مليون نسمة
وصرحت أنيتا كروهن تراسيث، الرئيس التنفيذي لشركة الابتكار النرويجية -وهي أداة الحكومة النرويجية للابتكار والتطوير-:
إن الوقت قد حان للنرويج لتبحث عن مجالات اقتصادية أخرى عدا قطاع النفط. وتحتاج النرويج إلى تطوير وبناء قطاعات تنموية متعددة، للمساهمة في جعل الاقتصاد الوطني أكثر تنوع واستدامة
أنتجت النرويج بعض الشركات الرائدة في الصناعة، مثل (أكير سولوشنز) (Aker Solutions) و(كونجسبريج جروبن) (Kongsberg Gruppen)، إلا أن أغلب شركات النرويج هي فروع قطاع الطاقة في البلاد؛ كما سنلاحظ من خلال المقارنة مع بلدان الشمال الأوربي الناشئة المجاورة – كالسويد (في اتحاد خاص)، الدنمارك، فنلندا، أيسلندا، فسنجد أن النرويج لم تبلي بلاءً حسناً.
بلغت نسبة الاستثمارات في النرويج عام 2015، حوالي 8.85 بالمئة، أو ما يعادل 30 استثماراً من أصل 339 استثمار. ويقدر إجمالي هذه الاستثمارات في عام 2015 بما يقارب 1.82 مليار دولار، وكانت حصة النرويج، التي تأتي بالمركز الأخير، منها حوالي 85.4 مليون دولار. بينما تتصدر الدول الإسكندنافية أغلب قوائم المناطق الأكثر جذباً لاستثمارات الشركات الناشئة.
ومن جانبها قالت كارين اليزابيث أوهم هيسكجا، الرئيس التنفيذي للشركات الناشئة ومراقبة النمو في معرض (نوردك أيدج) (Nordic Edge):
تواجه الشركات الناشئة المحلية العديد من التحديات وأهمها ضعف رأس المال في هذه الشركات للإطلاق أعمالها أو تعزيز نموها
ارتفعت نسبة الشركات الناشئة في النرويج بمعدل 300 بالمئة في عام 2016، ويرجح الخبراء السبب إلى وجود مخاوف من قطاعي النفط والغاز، إلى جانب الشعور بالحاجة إلى مثل هذه الشركات. وشهدت النرويج خلال أقل من عام، حوالي 28 استثمار، أي أقل باستثمارين عن عام 2015.
الابتكار النرويجي
يترأس كروهن تراسيث، وهو أحد المساهمين البارزين في إدارة ظاهرة الشركات الناشئة في النرويج (الابتكار النرويجي)؛ حيث يستثمر الصندوق بالنيابة عن الحكومة والوزرات بقيمة إجمالية تصل إلى 25.3 مليار كرون نرويجي (أي ما يعادل 3 مليار دولار). ووزعت في عام 2015 حوالي 6.1 مليار كرون نرويجي (ما يعادل 729.5 مليون دولار) على الأعمال التجارية النرويجية، وقد حازت الشركات الناشئة على نسبة 30 بالمئة.

وفي معرض (ستارت أب أكستريم) (Startup Extreme)خلال حديثها، قالت أنيتا كروهن:
يعتبر الثبات من أهم العوامل الأساسية لنجاح عملية التحول في النرويج. نحن نمتلك، في النرويج، احتياطي ضخم من رأس المال، بالإضافة إلى معدلات بطالة منخفضة، وهذا يساعدنا في القيام بالاستثمارات الضرورية لتعزيز الاقتصاد في المستقبل. حيث أننا نتمتع بمعدلات نمو جيدة في الشركات والمشاريع. ويعتمد الازدهار الاقتصادي في المستقبل على كيفية تحديد الأولويات، وإعادة توجيه الاستثمارات إلى القطاعات المناسبة، وجذب أصحاب الكفاءات، وأخيراً، امتلاك الجرأة في اتخاذ القرارات السياسية التي تدعم هذه التوجه
وبدأت رحلة التحول من الصناعات النفطية نحو اتجاهات صناعية جديدة، والتي تسير بوتيرة بطيئة نسبياً.
وقالت أوهم هيسكجا:
شهد العام الماضي ظهور مبادرات جديدة في مجال التكنولوجيا البديلة مثل المدينة الذكية (نوردك أيدج) (Nordic Edge)، وصناعات الفضاء (سبيسبورت نورواي) (Spaceport Norway)، ونقل المعرفة من قطاعي النفط والغاز إلى قطاع الرعاية الصحية (المجموعة النرويجية للرعاية الذكية) (NorwegianSmart Care Cluster).
ولعب ارتفاع أجور العاملين في قطاع صناعة النفط دوراً أساسياً في رغبة أصحاب الكفاءات بالتوجه نحوها وإهمال الصناعات الأخرى.
وأضافت أوهم هيسكجا:
تعاني العديد من الصناعات من فقدان أصحاب الخبرة في مجالات العمل التي تعتمد على التكنولوجيا، ويرجع ذلك إلى عدم قدرة الصناعات الأخرى، في السنوات السابقة، على منافسة مستويات الأجور في قطاع النفط. وهذا قد تغير في الوقت الراهن، بهدف الاستفادة من الصناعات التي تعتمد على التكنولوجيا خارج قطاع النفط والغاز، بالإضافة إلى القطاع العام
المساعدة الملكية
يقوم ولي العهد الأمير (هاكون) بدور فعال على صعيد قيادة التحول النرويجي من خلال دعمه لإنشاء ثقافة الشركات الناشئة القادرة على النجاح. بالإضافة إلى الأنشطة الاستثمارية والمبادرات الواعدة التي تقوم بها الحكومة.
وصرح ولي العهد الأمير (هاكون) خلال زيارته لوادي السيليكون لمجلة (تيك كرانش) (TechCrunch):
نحن نسعى باستمرار إلى تعزيز ثقافة الابتكار
كما قام الأمير هاكون بتقديم دعمه الشخصي للشركات الناشئة النرويجية من خلال زيارة الأحداث و المعارض المحلية. وقام في منتصف شهر حزيران (يونيو) بافتتاح الحفل السنوي الثاني (ستارت أب إكستريم) (Startup Extreme) في مدينة بيرغن، التي تقع على الساحل الغربي للنرويج.

تكثيف جهود العمل
برغم من الدعم الملكي والحكومي للشركات الناشئة، مازال لدينا بعض المشاكل.
وفي هذا السياق، قال ريكي اتشخوف هوفدينغ، الرئيس التنفيذي لشركة كابيتل فينتشر والجمعية الملكية الخاصة (NVCA):
وتواجه الأنظمة مشكلة ارتفاع تكلفة إنشاء صندوق جديد لتمويل رأس المال الأولي أو الأصول بالنسبة للاعتمادات المالية الصغيرة، وهذه يعني أننا نخسر من رأس المال الاحتياطي. ومن جهة ثانية، كانت لدينا في المراحل السابقة أمالٌ كبيرة بإن تحذوا الحكومة النرويجية حذو المملكة المتحدة، وأستراليا في فرض حوافز ضريبية للاستثمارات في المراحل المبكرة من نشوء الشركات
وتتفاقم المشاكل بسبب تفضيل المستثمرين قطاع الغاز والنفط على حساب قطاعات التكنولوجيا الحديثة الناشئة.
وأضاف جون براند، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة (كاووت) للألعاب التعليمية ومقرها في أوسلو:
مازالت الحكومة النرويجية مترددة في اتخاذ الإجراءات اللازمة في الهيئات التنظيمية والضريبية لتفسح المجال أمام جيل كامل من أصحاب المشاريع الناشئة، والعاملين فيها والمستثمرين
نحن نحتاج إلى أشخاص منفتحين على فكرة الاستثمار، والعمل، والبدء بالشركات الناشئة، والتعرض إلى الربح والخسارة فيها. إنها الطريقة الوحيدة لإنشاء أجيال جديدة تستطيع القيام بهذا العمل، تخشى الحكومة في الوقت الراهن من اتخاذ قرارات لا ترضي مواطنيها من شأنها أن تفيدنا على المدى الطويل. ونفتقر حالياً للأشخاص ذوي البصيرة لتحديد مستقبل الأمة.
ويشكك (براند) بشكل كبير في رغبة الحكومة النرويجية بتقديم الدعم العلني للمبادرات التي ليست ذات صلة مع القطاع النفطي. كما يعتقد بالرغم من كل الانتقادات من تمكن النرويج من النجاح في إطلاق الشركات الناشئة العاملة خارج قطاع الطاقة وبدون مساعدة الحكومة النرويجية.
وقال براند:
يوجد إمكانيات هائلة غير مستغلة في الاقتصاد النرويجي عبر القطاعات الصناعية العالية المهارة التي تصب في صالح قطاع النفط في حال تطبيقها على القطاعات الاستهلاكية الأخرى، وذلك بحسب اعتقادي الشخصي
ويرغب فرود جينسون، وهو رجل أعمال محلي، ومؤسس شركة (سوشسليف)، بالإضافة إلى بعض المشككين الأخرين برؤية جَدّية الحكومة النرويجية بالقيام بتغييرات واسعة النطاق في مجال دعم الشركات الناشئة في مختلف القطاعات الصناعية.
وفي هذا السياق قال فورد:
تعتبر البرامج التي تشابه برنامج (ابتكار النرويج) بداية جيدة وذات تأثير كبير، إلا أننا بحاجة تغيرات شاملة أكبر
وأضاف براند:
خضع دعم القطاعات الصناعية التي لا تعتمد على النفط لنقاش طويل في النرويج امتد لعقود طويلة. بكل تأكيد، يعتبر قطاع صناعات النفط والغاز حجر الأساس في دعم إزدهار مجتمعاتنا لتبدو على ما هي عليه الأن. وعلى أي حال، فإن دعم الاستثمار في سبيل تحقيق الازدهار الاقتصادي بالاعتماد على تكاليف الاستثمارات واستخدامها في بناء القطاعات الأخرى
هل لقطاع النفط فوائد لا متناهية؟
تعتبر النروج حالة خاصة بين البلدان الغنية بالموارد الطبيعية والاكتفاء النفطي. وبالمقارنة مع دول (أوبك) مثل المملكة العربية السعودية، والعراق، وإيران فإن النرويج تتمتع بتقاليد ديمقراطية غنية تتشابه مع الدول الاسكندنافية المجاورة. ويعيق الغنى الكبير بالثروات الطبيعية الذي تتمتع به النرويج تطورها لتكون إحدى الدول الصاعدة.
وتستمر النرويج في سعيها لتكون أحد المساهمين الأقوياء في قطاع النفط و الغاز. ويردد النرويجيون العبارة المشهورة الأكثر واقعية التي أبتكروها:
لا شيء يدوم إلى الأبد
كما ستستمر الحكومة النرويجية في المدى القريب، بالسيطرة على قطاع النفط والغاز، إلا أنها قد لا تكون كافية لدعم نظام الرعاية الاجتماعية السخي الذي يقدم للأباء إجازة مدفوعة الأجر لمدة أربعة أشهر.